الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
189
نفحات القرآن
ففي الآية السابقة كان الحديث يدور حول « سلب العبث » من خلق الإنسان ، وفي هذه الآية يدور الحديث حول « حقّانية » خلق كلّ العالم ، وكلاهما يرميان نحو هدف واحد ، وهو إنّ الحياة الدنيا إذا ماجردت عن الحياة الآخرة فإنّها سوف تكون أمراً باطلًا لاغرض منه وخالياً من كل معنى ، وهذا ممّا لا يصدر عن الحكيم أبداً . وجاء في تفسير الميزان : إنّ المراد من الحق فيهذه الآية هو ما قابل اللعب والباطل ، والدليل على ذلك هو جملة « وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ » ، وتفسير « الحق » بمعنى « العدل والانصاف » غير صحيح « 1 » . والجدير بالالتفات هو أنّ اللَّه تعالى أمر رسوله بالعفو والصفح . . . ذلك الصفح الجميل الخالص الذي لا يشوبه حتى اللوم والعتاب ، قال تعالى : « فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَميِلَ » . ( الحجر / 85 ) ومن المحتمل أن يكون هذا التعبير إشارة إلى هذا المعنى وهو : يا أيّها النبي بما أنّ الهدف من الخلق هو تربية البشر وإعدادهم لمرحلة الآخرة ، فعليك أن تراعي جميع أسس التربية التي يعتبر الصفح والعفو والرأفة واللين من ضمنها ، وبالأخص مراعاة ذلك مع الجهلة والمتعصبين . ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ مفهوم الآية الأولى هو إن لم تكن هناك آخرة فإنّ خلق الإنسان يكون « من العبث » ، ومفهوم الآية ، الثانية ( طبقاً للتفسير المذكور أعلاه ) هو : إن لم تكن هناك آخرة فإنّ خلق كل العالم يكون باطلًا وعبثاً ، فمن المحتمل أن يكون السبب في ذلك هو بيان سمو ثمرة الخلق وهي الإنسان وسمو شجرة الخلق وهي العالم ، فإن لم تكن هناك حياة خالدة تتمثل في الآخرة فسوف يكون خلق « الثمرة » و « الشجرة » كلاهما أمراً عبثاً وغير هادف . والمراد من تعبير « ما بينهما » شمول جميع أصناف الملائكة وكذلك النور والحرارة والسحاب والهواء وأنواع الغازات ، بل تشمل في أحد أبعادها أصناف الموجودات التي تعيش على وجه الأرض من البشر وجميع أنواع الحيوانات الأخرى والنباتات .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 12 ، ص 199 .